ابن الأثير

404

الكامل في التاريخ

وكان عارفا بالفقه على مذهب أبي حنيفة ، ليس عنده فيه تعصّب ، وسمع الحديث ، وأسمعه طلبا للأجر . وأمّا عدله ، فإنّه لم يترك في بلاده ، على سعتها ، مكسا ولا عشرا بل أطلقها جميعها في مصر والشام والجزيرة والموصل ، وكان يعظم الشريعة ، ويقف عند أحكامها ، وأحضره إنسان إلى مجلس الحكم ، فمضى معه إليه ، وأرسل إلى القاضي كمال الدين بن الشّهرزوري يقول : قد جئت محاكما ، فاسلك معي ما تسلك مع الخصوم ، وظهر الحقّ له ، فوهبه الخصم الّذي أحضره ، وقال : أردت أن أترك له ما يدّعيه ، إنّما خفت أن يكون الباعث لي على ذلك الكبر والأنفة من الحضور إلى مجلس الشريعة ، فحضرت ، ثمّ وهبته ما يدعيه . وبنى دار العدل في بلاده ، وكان يجلس هو والقاضي فيها ينصف المظلوم ، ولو أنّه يهوديّ ، من الظالم ولو أنّه ولده أو أكبر أمير عنده . وأمّا شجاعته ، فإليها النهاية ، وكان في الحرب يأخذ قوسين وتركشين ليقاتل بها ، فقال له القطب النّشاويّ الفقيه : باللَّه عليك لا تخاطر بنفسك وبالإسلام والمسلمين ، فإن أصبت في معركة لا يبقى من المسلمين أحد « 1 » إلّا أخذه السيف . فقال له نور الدين : ومن محمود حتى يقال له هذا ؟ من قبلي من حفظ البلاد والإسلام ؟ ذلك اللَّهُ الَّذِي لا إِلهَ إِلَّا هُوَ . وأمّا ما فعله من المصالح ، فإنّه بنى أسوار مدن الشام جميعها وقلاعها ، فمنها دمشق وحمص وحماة وحلب وشيزر وبعلبكّ وغيرها ، وبنى المدارس الكثيرة للحنفيّة والشافعيّة ، وبنى الجامع النّوريّ بالموصل ، وبنى البيمارستانات والخانات في الطرق ، وبنى الخانكاهات للصوفيّة في جميع البلاد ، ووقف على الجميع الوقوف الكثيرة . سمعت أنّ حاصل وقفه كلّ شهر تسعة آلاف دينار

--> ( 1 ) . يبقى أحد . B . يبقى لمسلمين أحد . A